إخوتي في الله ، هذه كلمات صاغها قلم المفكر
الإسلامي الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار حفظه الله تعالى، و قد
وضعها في كتابه المسمى 149 بصيرة في التراث و الماضي و التاريخ و
المستقبل و طبائع الأشياء .. و هو عبارة عن كتيب ضمن سلسلة من
الكتيبات عددها 13 كتيب تناول فيها شتى المواضيع من دعوة و تربية
و تعليم ....
و قد تولى أمر طباعتها و نشرها دار الأعلام في الأردن ، فقمت
بنقل ما كتبه عن التاريخ ، و أحلت كل مقولة إلى الصفحة الموجودة
فيها أرجو منكم قراءتها بتمعن لتجدوا أنها فعلاً بصائر تشكل
زاداً مهماً لكل من يرغب بدراسة التاريخ و التبحر فيه و تشكل
منطلقاً هاماً بمشيئة الله تعالى للعودة إلى دينه العظيم .
هذا هو الجزء الأول منها :
التاريخ : في جوهره ليس أكثر من جملة من المبادرات الفذة استتبعت
عدداً كبيراً من الاقتداءات و بذلك تشكلت تيارات من الفعل
الإنساني المتميز . الصفحة 21 .
شفافية : الذين يقرؤون التاريخ كثيرون و الذين يقرؤونه بطريقة
جيدة أقل من القليل و أكثرهم سوءاً هم الذين يفهمون التاريخ عبر
آلية تشبه المعادلات الرياضية في صلابتها و ما هكذا يُفهم
الإنسان و لا هكذا يقرأ مسجل نشاطاته و إنما يفهم من خلال
الشفافية و الخيال و قراءة ما بين السطور و و فق ما نعرفه من سنن
الله تعالى في الأنفس و المجتمعات . الصفحة 29 .
غلوّ : يملك التاريخ بوصفه سجلاً للكثير من الأنشطة المتقاطعة و
المتباينة قابلية للتجزئة و التوظيف السيئ و المبالغ فيه و قد
صار بعض الناس إلى أسوأ ما في تاريخنا من أحداث و وقائع ـ يدينها
الإسلام نفسه ـ فأبرزوها على أنها من نتاج الإسلام و معطياته . و
كان من جملة ردود الفعل على ذلك أن عمد بعض أهل الغيرة على هذا
الدين إلى خير ما في تراثنا فأخرجوه للناس على أنه يمثل التراث
كله و ما زال كثيرون ينتظرون القراءة الموضوعية و المتزنة و ربما
سيطول انتظارهم . الصفحة 29 ـ 30 .
استخراج صعب : لا تأتي قراءة التاريخ من أجل استخراج النواميس و
السنن الكونية منه إلا بالظنون و ذلك لأن معرفتنا بالأسباب
الحقيقية التي أدّت إلى ولادة الأحداث الكبرى تظل معرفة ناقصة و
جزئية و حين نوفق إلى معرفة ذلك فإن المشكلة التي تواجهنا تكمن
في تحديد وزن كل سبب و حجم تأثيره في وقوع تلك الحوادث . الصفحة
30 .
في المنهج : من غير المنهجي أن نتعرف على عظمة أمة من خلال نتائج
معركة أو من خلال وقف أوقفه بعض الناس أو من خلال جامعة أو مدرسة
محترمة إن هذه الأمور و الأشياء و أشباهها ليست أكثر من مؤشرات
محدودة و إن كثيراً من الذين يدرسون تاريخ الأمة على أنه كتل
ممزقة يعمدون إلى توظيفه توظيفاً خاطئاً عن قصد و عن غير قصد و
نحن نريد دائماً أن نصل إلى الحقيقة كما هي عليه و أن نوظفها
التوظيف الذي ينسجم مع باقي الحقائق و المعطيات المتوفرة .
الصفحة 31 .
اكتشاف مزدوج : علينا أن نعترف أننا لم نكمل قراءة تاريخنا
الإسلامي على النحو المنشود و قد يكون ذلك غير ممكن كما أن
اكتشافنا للعوامل الفعالة في بناء حركته لم ينضج بعد . فإذا
أضفنا على ذلك أن الوعي البشري لا يكتمل أبداً أدركنا طبيعة
العلاقة بين معطيات التاريخ و بين ما يطرحه وعينا من مقولات و
فرضيات مما يجعلنا نسعى دائماً إلى اكتشاف مزدوج للتاريخ و
بغيتنا الفكرية في آن واحد . الصفحة 31.
تحديات : كثيراً ما يقع الخلط و التحريف و الوهم و المبالغة في
التفاصيل الدقيقة و في الجزئيات و الحيثيات التي يسوقها المؤرخ و
ليس في الخطوط العريضة للوقائع و المشكل أن كثيراً من الوعاظ و
التربويين و أولئك الذين يعتمدون أسلوب الحرفية في فهم التاريخ
يهتمون اهتماماً مبالغاً فيه بتلك التفاصيل و الجزئيات مما يجعل
الوهم و الإيهام من أوثق حلفائهم . الصفحة 32 .
أسير : كثير من الناس لا يملك بنية عقلية جيدة و من ثم فإنه يقع
أسيرا للأخبار و الروايات التاريخية و يحاول فهمها على نحو حرفي
و كأن الذي صاغها يملك فيها الكلمة النهائية كما يملك التعبير
عنها على أعلى مستوى من الوضوح و القطعية مع أن القرآن الكريم
يوجهنا إلى أن نجعل من المعطيات التاريخية أدوات نفتح بها حقولاً
جديدة للفهم و بذلك نتجاوزها بدل أن نقع أسرى لها . الصفحة 32 .
فراغ : قد لا يستطيع المؤرخ الحصول على كل المواد و المعلومات و
المعطيات التي تمكنه من بناء صورة كاملة لواقعة من الوقائع فيجد
نفسه مضطراً إلى تكميلها من خلال روايات لا يرضى عنها تمام الرضا
أو من خلال معرفته بطبائع الأشياء و مجريات الأحداث . الصفحة 33
.
عمل الإنسان : الأخبار التاريخية تنقل صوراً مقتبسة لما حدث أو
قد كتبتها يد إنسان و يدرسها أيضا إنسان له عواطفه و معاييره و
مسلماته و مصالحه و هذا كله يجعل من غير الحكمة إسلاس القيادة
للمؤرخ دون أي تحفظ أو نظر أو مراجعة . الصفحة 33 .
زيادة وعي : نحن بحاجة ماسّة إلى أن نزيد درجة وعينا بتاريخنا
كما أننا في حاجة إلى أن نُدخل في ثقافتنا العامة بعض المستخلصات
المركّزة عن المنعطفات الكبرى في ذلك التاريخ و ذلك لأننا إذا لم
نستطع أن نقارب بين رؤانا للماضي لم نستطع أن نقارب في فهم
الحاضر و إذا لم تتقارب رؤانا للحاضر لم نستطع التخطيط لشأننا
العام في المستقبل . الصفحة 33 .
طرفان : أفرط قوم في تقدير التاريخ حتى صار عندهم علم العلوم و
ليس أي علم آخر في نظرهم سوى ظاهرة تاريخية و قال قوم آخرون :
إنه لا يصلح أن يكون علماً كما لا يصلح للعمل و التطبيق و لذا
فإنه لا شيء . الصفحة 34 .
مجتهد : المؤرخ إذ يرسم صورة لحادثة تاريخية مجتهد يستخدم كل
مركّبه العقلي العام و مزاجه و خياله و منهجيته و كل ما يريد من
وسائط و أدوات معرفية ، و لهذا فإن عمله بالتالي يحتمل الصواب و
الخطأ .
الصفحة 34 .
بناء انتقائي : من أخطر ما يتعرض له العمل التاريخي هو
الانتقائية فالروايات المتعددة و المتضاربة أحياناً حول حادثة من
الحوادث تملي على المؤرخ أن يختار منها ما يتناسب مع رؤيته
العامة لتلك الحادثة و حين تتوفر معلومات كثيرة حول واقعة ما فإن
المشكلة لا تزول و لكن تتبدى في ثوب آخر و سيظل على المؤرخ أن
يقوم بالترجيح و إلا خنقه سيل الأخبار المجدبة التي لا يربط
بينها أي رابط . الصفحة 34.
تعليل و تعميم : من المعلوم جيداً أن اليونان اخترعوا ( التعاليل
) من أجل تلافي الثغرات التي يتركها الاستقراء الناقص و ما
يستخدمه المؤرخ من تفسير و تعليل و تأويل في تشخيص الحدث
التاريخي قد يعتمد على بعض الحقائق التاريخية لكن المؤرخ يحتاج
إلى تعميم المفاهيم المتعلقة بطبيعة الناس و ميولهم و سلوكهم من
أجل تمليك القارئ رؤية متماسكة و منطقية للحادثة التاريخية و هذا
يجعل المؤرخ في دائرة المجازفة و سوء التقدير . |